أزمة المنتخب التونسي في كأس العالم 2022
ودع المنتخب التونسي منافسات كأس العالم FIFA قطر 2022 مبكراً من الدور الأول، بعد أن احتل المركز الثالث في ترتيب المجموعة الرابعة خلف كل من فرنسا وأستراليا. ورغم أن "نسور قرطاج" حققوا إنجازاً تاريخياً بفوزهم على منتخب فرنسا حامل اللقب بنتيجة 1-0، إلا أن هذا الانتصار لم يكن كافياً لتعويض الأخطاء السابقة التي كلفتهم بطاقة العبور إلى الدور الثاني. فما هي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا التراجع؟ وكيف تحول الحلم التونسي إلى خيبة أمل جديدة؟
أولاً: قائمة غير متوازنة.. ضغوطات أدت إلى اختيارات كارثية
جاءت قائمة اللاعبين التي اختارها الناخب التونسي جلال القادري للمشاركة في المونديال القطري غير متوازنة بشكل واضح. وسقط القادري في فخ الضغوطات التي سلطها عليه الاتحاد التونسي لكرة القدم، بهدف الاستعانة ببعض اللاعبين البعيدين عن المستوى المطلوب، مقابل التخلي عن جملة من النجوم الذين كان بإمكانهم تقديم إضافة قوية خاصة من الجانب الهجومي.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلل، ضم القائمة لأربعة حراس مرمى، وهو قرار أثار دهشة الجماهير والنقاد على حد سواء. وأشارت بعض الأطراف إلى أن هذا القرار ربما كان يهدف إلى "محاباة بعض الأندية التي تعاني من أزمات مالية، خاصة وأن الفيفا قرر صرف منحة مغرية للفرق التي تملك لاعبين يشاركون في كأس العالم". هذا التوجه أضعف التنافسية داخل الفريق وأثر سلباً على التوازن الفني المطلوب في البطولة.
ثانياً: الحذر المبالغ فيه أمام أستراليا.. مفتاح التأهل الضائع
ارتكب المدرب جلال القادري خطأً تكتيكياً فادحاً في مباراة الجولة الثانية أمام أستراليا، التي كانت بمثابة مفتاح التأهل للدور ثمن النهائي. فبدلاً من الضغط منذ البداية لخطف هدف مبكر، اختار القادري اللعب بتحفظ دفاعي مبالغ فيه، وهو ما استغله المنتخب الأسترالي لفرض سيطرته وتسجيل هدف ثمين منحه الفوز في النهاية.
ويعيب العديد من المتابعين على المدرب التونسي عدم اتخاذ القرارات الفنية والتكتيكية المناسبة في مباراة كانت حاسمة في سباق التأهل. فالأداء الدفاعي المفرط كلف الفريق فرصة ثمينة، خاصة وأن المنتخب الأسترالي لم يكن من أقوى فرق البطولة، وكان بإمكان تونس تحقيق نتيجة إيجابية لو اتبعت نهجاً هجومياً أكثر توازناً.
ثالثاً: تهميش خريجي الدوري المحلي.. ونقلة نوعية متأخرة
تعرض خريجو الدوري التونسي للتهميش من جانب المدرب خلال أول مباراتين أمام الدنمارك وأستراليا بشكل خاص. ورغم أن أداء بعض المحترفين لم يكن موفقاً في نسخة "قطر 2022" على غرار محمد دراجر وعلي العابدي، إلا أن القادري أصر على الاعتماد عليهم في المباريات الحاسمة.
وشهد أداء منتخب تونس نقلة نوعية خلال المباراة أمام فرنسا، والتي تزامنت مع الدفع بعدة لاعبين تخرجوا من الدوري التونسي، على غرار وجدي كشريدة وعلي معلول ومحمد علي بن رمضان ونادر الغندري وغيلان الشعلالي. هذا التحول المتأخر يؤكد أن الاعتماد على العناصر المحلية كان يمكن أن يغير مسار الفريق في المباريات السابقة، لو تم منحهم الفرصة في الوقت المناسب.
رابعاً: مشاكل هيكلية.. صراعات وضغوط إدارية
لم تكن مشاكل المنتخب التونسي فنية فقط، بل امتدت إلى الجانب الإداري والهيكلي. فقد هدد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" باستبعاد تونس من كأس العالم 2022 بسبب التدخل الحكومي، بعد تصريحات أثارت الجدل. هذا التهديد ألقى بظلاله على استعدادات الفريق، وزاد من حدة التوتر داخل الأوساط الرياضية التونسية.
كما أن الصراعات المفتوحة بين الاتحاد التونسي لكرة القدم والجهات المعنية الأخرى أثرت سلباً على استقرار الفريق، وجعلت المدرب يعمل تحت ضغط مستمر، مما انعكس على اختياراته الفنية والتكتيكية. فغياب الاستقرار الإداري يعد عاملاً رئيسياً في تراجع أداء أي منتخب، وتونس لم تكن استثناءً من هذه القاعدة.
خامساً: الإرهاق وغياب الجاهزية البدنية
عانى لاعبو المنتخب التونسي من الإرهاق الواضح خلال البطولة، نتيجة لضغط المباريات وعدم كفاية فترة الإعداد. فبعض اللاعبين كانوا يخوضون مباريات متتالية مع أنديتهم قبل انطلاق المونديال، مما أثر على جاهزيتهم البدنية. هذا الإرهاق كان واضحاً في الشوط الثاني من مباراة أستراليا، حيث تراجع أداء الفريق بشكل ملحوظ.
كما أن غياب التخطيط السليم لبرنامج الإعداد، وعدم التركيز على الجوانب البدنية بشكل كاف، جعل الفريق غير قادر على مجاراة المنافسين في المباريات الحاسمة. فالاستعداد البدني الجيد هو أحد ركائز النجاح في البطولات الكبرى، وهو ما افتقر إليه "نسور قرطاج" في هذه النسخة.
